أبي بكر الكاشاني

143

بدائع الصنائع

وأما العين المضمونة فنوعان نوع هو مضمون بنفسه وهو الذي يجب مثله عند هلاكه إن كان له مثل وقيمته ان لم يكن له مثل كالمغصوب في يد الغاصب والمهر في يد الزوج وبدل الخلع في يد المرأة وبدل الصلح عن دم العمد في يد العاقلة ولا خلاف في أنه يجوز الرهن به وللمرتهن ان يحبس الرهن حتى يسترد العين فان هلك المرهون في يده قبل استرداد العين والعين قائمة يقال للراهن سلم العين إلى المرتهن وخذ منه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين لان المرهون عندنا مضمون بذلك فإذا وصل إليه العين يجب عليه رد قدر المضمون إلى الراهن فان هلكت العين والرهن قائم صار الرهن بها رهنا بقيمتها حتى وهلك الرهن بعد ذلك يهلك مضمونا بالأقل من قيمته وقيمة العين لان قيمة العين بدلها وبدل الشئ قائم مقامه كأنه هو وأما الذي هو مضمون بغيره لا بنفسه كالمبيع في يد البائع ليس هو مضمونا بنفسه الا ترى انه لو هلك في يده لا يضمن شيئا بل هو مضمون بغيره وهو الثمن حتى يسقط الثمن المشترى إذا هلك فهل يجوز الرهن به ذكر في كتاب الصرف انه يجوز وله ان يحبسه حتى يقبض المبيع وان هلك في يده قبل القبض يهلك بالأقل من قيمته ومن قيمة المبيع ولا يصير قابضا للمبيع بهلاكه وله أن يقبض المبيع إذا أوفى ثمنه وعليه أيضا ضمان الأقل بهلاك الرهن ولو هلك المبيع قبل القبض والرهن قائم بطل البيع لان اهلاك المبيع قل القبض يوجب بطلان المبيع وعلى المشترى أن يرد الرهن على البائع ولو هلك في يده قبل الرد هلك بضمانه وهو الأقل من قيمته ومن قيمة المبيع للبائع ولا يبطل ضمانه بهلاك المبيع وبطلان البيع لأنه وان هلك المبيع فقد سقط الثمن بمقابلته فكان بطلانه بعوض فلا يبطل ضمانه وروى الحسين عن أبي حنيفة انه لا يصح الرهن وبه اخذ الكرخي وجه رواية الحسن ان قبض الرهن قبض استيفاء المرهون ولا يتحقق معنى الاستيفاء في المضمون بغيره لان المشترى لا يصير مستوفيا شيئا بهلاك الرهن إنما يسقط عنه الثمن لاغير ( وجه ) ظاهر الرواية ان الاستيفاء ههنا يحصل من حيث المعنى لأن المبيع قبل القبض ان لم يكن مضمونا بالقيمة فهو مضمون بالثمن ألا ترى انه لو هلك يسقط الثمن عن المشترى فكان سقوط الثمن عنه كالعوض عن هلاك المبيع فيحصل مستوفيا مالية المبيع من الرهن من حيث المعنى فكان في معنى المضمون بنفسه فيصح الرهن به ولو تزوج امرأة على دراهم بعينها أو اشترى شيئا بدراهم بعينها فأعطى بها رهنا لم يجز عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وعند زفر يجوز بناء على أن الدارهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات وان عينت فكان الواجب على الراهن مثلها لا عينها فلم يكن المعين مضمونا فلم يجز الرهن به وعنده يتعين بالتعيين بمنزلة العوض فكان المعين مضمونا فجاز الرهن به ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس لان المكفول به ليس بمضمون على الكفيل الا ترى أنه لو هلك لا يجب على الراهن شئ ولا يسقط عن المرتهن بمقابلته ولا يجوز الرهن بالشفعة لان الشفعة ليست بمضمونة على المشترى بدليل أنه لو هلك لا يجب عليه شئ ولا يسقط عن المرتهن بشئ بمقابلته فكان رهنا بما ليس بمضمون فلم يجز ولا يجوز الرهن بالعبد الجاني والعبد المديون لأنه لو هلك لا يجب على المولى شئ ولا يسقط عن المرتهن شئ بمقابلته فلم يكن مضمونا أصلا فلا يصح الرهن به ولا يجوز الرهن بأجرة النائحة والمغنية بان استأجر معنية أو نائحة وأعطاهما بالأجرة رهنا لان الإجارة لم تصح فلم تجب الأجرة فكان رهنا بما ليس بمضمون فلم يجز ولو دفع إلى رجل رهنا ليقرضه فهلك الرهن قبل أن يقرضه يهلك مضمونا بالأقل من قيمته ومما سمى من القرض وان حصل الارتهان بما ليس بمضمون لكنه في حكم المضمون لأنه قبض الرهن ليقرضه فكان قبض الرهن على جهة الضمان والمقبوض على جهة شئ كالمقبوض على حقيقته في الشرع كالمقبوض على سوم الشراء ( أما ) صفة المضمون فنوعان ( أحدهما ) متفق عليه ( والثاني ) مخلف فيه أما المتفق عليه هو أن يكون مضمونا في الحال فلا يصح الرهن بما يصير مضمونا في الثاني كالرهن بالدرك بان باع شيئا وقبض الثمن وسلم البيع إلى المشترى فخاف المشترى الاستحقاق فاخذ بالثمن من البائع رهنا قبل الدرك لا يجوز حتى لا يملك الحبس سواء وجد الدرك أو لم يوجد ولو هلك يهلك أمانة سواء وجد الدرك أولم يوجد وكذا ارتهن بما يثبت له على الراهن في المستقبل لا يجوز بخلاف الكفالة فان الكفالة بما يصير مضمونا في